محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

735

تفسير التابعين

ثم إنه لم يعن بطرق التحمل والأداء كعناية قتادة ، فقد غلب عليه الجانب الوعظي ، وقد أثر ذلك في الاعتماد على مراسيله ، حيث لم يقبلها كثير من أهل العلم ، وجعلوها كالريح . أما قتادة فقد سبق أنه أحد الأوعية الذي حفظ كثيرا من الآثار والسنن ؛ ولذلك غلب عليه الجانب الروائي ، فكان من أقل التابعين بالبصرة إعمالا للرأي في التفسير . فقد استغنى - رحمه اللّه - بمحفوظه ، وبما أعطاه اللّه من قدرة على الحفظ عن مجهوده وأكثر النقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة ، وعن كبار التابعين ، فأغناه عن إعمال فكره في الاجتهاد ، ولا سيما أنه لكثرة محفوظه يختار من أقوال أهل العلم ما يشاء ، ويدع ما يشاء ، فلقد كان من أعلمهم باختلاف العلماء كما قال ذلك سعيد بن المسيب ، وأحمد بن حنبل « 1 » . ولقد غلب حب الآثار على نفس قتادة ، فلم يكتف بالنقل عن الحسن وأنس ، بل تعدى حيث روى عن المدنيين ، وخاصة ابن المسيب ، وعن الكوفيين : الشعبي ، والنخعي ، وغيرهم ، ثم هو مع هذه الحافظة القوية ، كان يختار منها ما يكون أقرب للجانب التربوي عند تفسير الآيات ، أو استنباط المعاني والمواعظ ، متأثرا في ذلك بشيخه الحسن الذي تابعه متابعة شديدة ، وتأثر به في ذلك ، مع أنه لم يتأثر به في جانب الرأي والاجتهاد كما مرّ معنا ، بل خالفه في ذلك ؛ ولأجل ذلك أثرت عن الحسن بعض الاجتهادات التي فيها نظر لأهل العلم كما مرّ ذلك « 2 » ، إلا أن شيئا من ذلك لم يؤثر عن قتادة ، بل قد ينقل عنه صراحة ما يدل على خلافه ، مثل ما قاله الحسن في قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ « 3 » ، حيث قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ،

--> ( 1 ) السيرة ( 5 / 276 ) . ( 2 ) ينظر ترجمة الحسن ص ( 230 ) . ( 3 ) سورة الكهف : آية ( 50 ) .